ابن عجيبة
434
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ولا يكون فطره إلا على حلاوة مشاهدته لقوله : « وأفطروا لرؤيته » ، فالسائحون طيارون بقلوبهم في أقطار الغيب ، وذلك يقتضى الخضوع بنعت الفناء عند مشاهدة العظمة ، فيركع شوقا لجماله ، وخضوعا لجلاله ، وعند ركوعه وخضوعه تحيط به أنوار الصفات ، فيسجد لكل الجهات ؛ ( فأينما تولوا فثم وجه اللّه ) « 1 » . وهذا السجود يقتضى الغربة ، والغربة تقتضى المشاهدة ، والمشاهدة تصير شاهدها متصفا بصفاتها ، فمن وقع في نور أسماء اللّه وصفاته صار متصفا بوصف الربوبية ، متمكنا في العبودية ، فيحكم بحكم اللّه ، ويعدل بعدل اللّه ، فيصفهم اللّه بهذه النعوت ، قال : ( الآمرون بالمعروف ) الداعون الخلق إلى الحق ، والناهون لهم عن متابعة الشهوات ، والحافظون لحدود اللّه ، القائمون في مقام العبودية بعد كشف صفات الربوبية لهم ، فلا يتجاوزون عن حد العبودية ، وإن ذاقوا طعم حلاوة الربوبية ؛ لأنهم في محل التمكين على أسوة مراتب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، مع كماله ، قال : « أنا العبد لا إله إلا اللّه » . انتهى . ثم نهى نبيه عن الاستغفار للمشركين ، وينخرط فيهم من تخلف عن تبوك من المنافقين ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 113 إلى 114 ] ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 113 ) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ( 114 ) يقول الحق جل جلاله : ما كانَ ينبغي لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ الذين ماتوا على الشرك ، وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى أي : من قرابتهم ، مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ؛ لموتهم على الشرك . روى أنه عليه الصلاة والسلام قال لأبى طالب ، لما حضرته الوفاة : « قل : لا إله إلا اللّه ، كلمة أحاجّ لك بها عند اللّه » . فأبى ، فقال : « واللّه لأستغفرن لك ما لم أنه عنك » ، فكان يستغفر له حتى نزلت الآية « 2 » . وقيل : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم استأذن ربه أن يستغفر لأمه ، فنزلت ، وقيل : إن المسلمين أرادوا أن يستغفروا لآبائهم ، فنزلت ، وفيه دليل على جواز الاستغفار لأحيائهم ؛ إذ لم يتحقق أنهم أصحاب الجحيم ، فإنه طلب توفيقهم للإيمان . ثم رفع إيهام النقض باستغفار إبراهيم عليه السّلام لأبيه الكافر ، فقال : وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ ، وقيل : إنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال في شأن عمه : « لأستغفرن لك ، كما استغفر إبراهيم لأبيه » ، فنزلت :
--> ( 1 ) من الآية 115 من سورة البقرة . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( مناقب الأنصار ، باب : قصة أبى طالب ) ومسلم في ( الإيمان ، باب : الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ) .